المنشورات - الفصول


قضايا في التقييم التربوي: الامتحانات العامة والمبيّنات التربوية



الامتحانات العامة، تأليف مراد جرداق


إن موضوع الامتحانات العامة واسع ومتشعب. وبما أن الهدف الرئيسي من هذا البحث هو التطرق إلى بعض القضايا النظرية للامتحانات العامة مع مقارنات لعدد من الأنظمة المعتمدة في بلدان مختلفة فسيقتصر بحثنا ضمن هذا النطاق على المواضيع التالية:
أولاً : التعريف بالامتحانات العامة
ثانياً : خلفية تاريخية لنشوء الامتحانات العامة
ثالثاً : أهداف الامتحانات العامة
رابعاً : الامتحانات العامة والمناهج: العلاقة والأثر
خامساً: أنماط الامتحانات العامة
سادساً : الإطار التنظيمي للامتحانات العامة
سابعاً : خلفية تاريخية لتطور الامتحانات الرسمية في لبنان
ثامناً : قضايا الامتحانات الرسمية في لبنان
تاسعاً : خاتمة

 

أولاً: التعريف بالامتحانات العامة
 نقصد "بالامتحان" examination عمليّات القياس والتقييم التي تجري ضمن نظام معين. فالامتحان لا يقتصر على وضع الأسئلة والتصحيح وإعطاء العلامات والحكم على النجاح أو الرسوب فحسب بل يتعّداها الى النظام التعليمي الذي تجري في سياقه هذه العمليات.
السمة الأولى للامتحانات العامة public examination،هي أنها امتحانات تقيس التحصيل التعلمي أي النواتج التعليمية المتأتية من عمليات تعليمية منظمة. طبعاً ليست كل امتحانات التحصيل امتحانات عامة ولكن الامتحانات العامة هي امتحانات تحصيل في أكثرها.
السمة الثانية للامتحانات العامة أنها مفتوحة لجميع أفراد فئة معينة ضمن ضوابط النظام التعليمي القائم. إنها مفتوحة للعموم ضمن الشروط الأكاديمية التي يحددها النظام. فهي مثلاً لا تستثني تلاميذ مدارس معينة (خاصة أو عامة) أو فئة اجتماعية معينة.
وبالإضافة الى ما سبق فإن الامتحانات تنظم من قبل جهة خارجية (غير المدرسة) لها صفة المنفعة العامة. وهذا بالضرورة يميّز بين الامتحانات المدرسية والامتحانات العامة. ولكن ليس بالضرورة أن كلّ امتحان تنظمه جهة خارجية غير مدرسية هو امتحان عام.
وأخيراً فهدف الامتحانات العامة هو تقييم الفرد وليس المجموعة أو المؤسسة (المدرسة مثلاً). ولا يمنع ذلك من أن يستفاد من النتائج الفردية للامتحانات العامة في تقييم مجموعة معينة (فئة عمرية معينة مثلاً أو مجموعة التلاميذ في المدارس الخاصة) أو تقييم المؤسسات (المدارس مثلاً). ولكن يبقى أن الهدف الأساسي للامتحان العام هو تقييم الفرد وليس المجموعة أو المؤسسة.
وعليه فإننا سنستعمل كلمة "الامتحان العام" لنشير الى كل امتحان يهدف الى قياس وتقييم التحصيل التعلمي للأفراد والذي تنظمه جهة عامة غير مدرسيّة بحيث يكون مفتوحاً للجميع ضمن الشروط الأكاديمية التي يحددها النظام التعليمي.

 

ثانيا: خلفيّة تاريخية
إن وجود الامتحانات العامة قديم العهد. ففي الصين مثلاً نشأ نظام الامتحانات الامبراطوري في القرن السادس الميلادي (Lu Zhen, 1988) وكان هدفه اختيار الموظفين لوظائف الخدمة العامة. والامتحانات العامة تنشأ من الحاجة الى الاصطفاء، عندما يفوق العرض (عدد الأشخاص الراغبين) الطلب (عدد الأماكن أو الوظائف المتوفرة) فتكون الامتحانات العامة وسيلة لإفساح المجال للمؤهلين من العموم في التنافس للحصول على الوظيفة أو الترقية. ولكن إدخال الامتحانات العامة الى المدارس والجامعات كما نعرفها اليوم تولاه اليسوعيون في القرن السادس عشر ميلادي في أوروبا (Medaus & Kellaghan, 1991)، وتقد تطورت الامتحانات في أوروبا لتشمل أيضاً امتحانات تحريرية الى جانب الامتحانات الشفهية. ونشأ من جراء ذلك ثلاثة أنظمة للامتحانات في أوروبا وهي: النظام الألماني abitur والنظام الفرنسي baccalaureate والنظام البريطاني matriculation. وكان الهدف الرئيسي من هذه الامتحانات اختيار الطلاب للدخول إلى الجامعات وبالتالي للدخول في نظام الخدمة العامة أو المهن المختصة وذلك على أساس المؤهلات والقدرات وليس على أساس الانتماء الاجتماعي أو الاقتصادي.
وبحكم استعمار الدول الأوروبية للدول الأخرى في إفريقيا وآسيا وأميركا فقد انتقلت هذه الأنظمة إلى الدول المستعمرة وكانت تجري من قبل سلطات الدولة المستعمرة عموماً بهدف اختيار الموظفين من السكان المحليين في الإدارة العامة. ومع استقلال الدول في النصف الثاني من القرن العشرين بدأت السلطات بتعديل الأنظمة التربوية لتتوافق والتطلعات والحاجات الوطنية. وكانت الامتحانات عرضة لمثل هذه التعديلات وخصوصاً أنه كان ينظر لها على أنها من أهم الأدوات المتوفرة للدولة للتحكم في التعليم. غير أن هذه التعديلات لم تغيّر في منطلقات الأنظمة الأوروبية الثلاث إلا في ما ندر كما هو الحـال في الولايات المتحدة الأميركية.
ومع نمو وتوسع التعليم الابتدائي استعملت الامتحانات العامة لإعطاء الشهادات التي تفيد بإتقان التلاميذ المهارات الأساسية في القراءة والكتاب باللغة الأم وكذلك في الحساب. ومع تعميم الابتدائي استعملت الامتحانات العامـة لاختيار التلاميذ للمراحل اللاحقة. إن هذه الاستعمالات للامتحانات العامة لم تكن طبعاً متزامنة في الدول الصناعية والدول النامية ولكن النمط نفسه تكرر وإن بفارق زمني تعدى نصف قرن أو أكثر.
إن الامتحانات العامة جزء من نظام اجتماعي وتعليمي وبالتالي فإن سياسة الامتحانات العامة تتغير بفعل التغيرات في هذين النظامين. كذلك فإن نظام الامتحانات العامة يتأثر بالفرص التعليمية المتاحة وخصوصاً من حيث الأهداف مما سنعرض له لاحقاً. ولا شك في أن التطور في نظريات التعلم وفي التكنولوجيا يؤثران كثيراً على أنظمة الامتحانات العامة من حيث أهدافها وأنماطها وإدارتها واعدادها ومعالجة المعلومات فيها.

 

ثالثا: أهداف الامتحانات العامة
ترتبط أهداف الامتحانات العامة بعوامل عدة كما أشرنا وتتغير في ضوء التغيرات الاجتماعية والاقتصادية. وسنعرض في ما يلي أهم الأهداف الممكنة للامتحانات العامة.
1. الاصطفاء selection
إن الحاجة إلى الاصطفاء. حين يفوق العرض الطلب. تشكل الحافز الرئيسي لنشوء الامتحانات العامة التي تؤمن المنافسة على أسـاس القـدرات المعرفية. وبعد التوسع الذي شهده التعليم وفي ظلّ عدم قـدرة المدارس على استيعاب التلاميذ في المراحل التي تلي المرحلة الابتدائية. أصبحـت الامتحانـات العامة تستعمل كصمام أمان لضبط انسياب الطلاب الى المراحـل اللاحقـة للمرحلـة الابتدائية. فوجدت الشهادات مثلاً في نهاية مرحلة التعليم الأولى والثانية. وفي الدول التي وفرت فرصاً تعليمية كافية، ألغيت الامتحانات العامة (أي الاصطفاء) في نهاية المرحلة الابتدائية وبذا امتدت مرحلة التعليم الأساسي الى 8 أو 10 سنوات دون وجود امتحانات عامة فيها. وجعل الاصطفاء هدفاً رئيسياً للامتحانات العامة يرتب نوعاً معيناً من الاختبارات ذات التمييز discrimination العالي ويؤثر كذلك على محتوى الاختبارات وبنيته.
2. الشهادة certification
من أهداف الامتحانات العامة أنها توفّر المعلومات التي تسمح بالتحقق من حصول الطالب على معارف أو مهارات ادائية يمكن أن تؤثر على دخوله عالم العمل أو الانتقال الى التعليم في مراحل متخصصة (كالتعليم المهني مثلاً). وتستعمل الامتحانات العامة في التعليم أيضاً لتوفير الشهادة بأن الطالب قد أنهى بنجاح مرحلة معينة. وبذا تكون الشهادة إقراراً بإنهاء المرحلة التعليمية المعينة بنجاح وفي الوقت نفسه شرطاً ضرورياً (وليس كافياً) للانتقال للمرحلة اللاحقة.
3. تقييم المدارس
بدأ في الفترة الأخيرة توظيف الامتحانات العامة في تقييم المدارس، بحيث تقارن المدارس بدلالة نسب نجاح طلابها في الامتحانات العامة. ومقارنة المدارس بهذا الشكل توفر من جهة للمجتمع معلومات تساعد أفراده على اختيار المدارس لأولادهم ومن جهة أخرى تؤسس نظام حوافز للمدارس للتنافس في تحسين نوعية التعليم. وقد استعملت هذه كإحدى الاستراتيجيات في الإصلاح التربوي. ومن المهم التأكيد أن استعمال الامتحانات العامة لتقييم المدارس حديث العهد وهو يثير جدلاً بين المختصين في هذا الحقل.
4. ضبط المستويات التعليمية
ويشمل هذا الهدف استعمال نتائج الامتحانات العامة لتأكيد أو نفي حصول تغيّر في المستويات التعليمية عبر السنوات. إن هذا التوظيف للامتحانات العامة هو سياسي بشكل أساسي لتوفير الأسباب لإحداث تغييرات في المناهج أو الإبقاء عليها.
5. تقييم النظام التربوي
وفي هذا المجال تستعمل إحصاءات نتائج الامتحانات العامة (معدل العلامات أو نسبة النجاح مثلاً) كقياس للتعلم وبالتالي كأحد عناصر كفاية النظام التربوي من حيث النوعية. ويشكك فريق من المختصين في هذا التوظيف للامتحانات العامة على أساس أن الاختبارات فيها صممت لتقييم الأفراد وليس لتقييم المؤسسات وبالتالي فإن هذا التوظيف غير سليم لأنه مبنى على أدوات قياس صممت من حيث محتواها وبنيتها وهدفها لغرض مختلف عن تقييم النظام التربوي.
6. تشخيص صعوبات التعلم
إن الامتحانات التشخيصية ليست بجديدة ولكن الجديد أن بعض الدول بدأت باستخدام الامتحانات العامة (غير امتحانات الشهادات) لأهداف تشخيصية حيث تقوم جهة خارجية بتصميم اختبارات وطنية على مستوى مركزي ويترك تطبيقها وتوظيف نتائجها في تشخيص صعوبات التعلم للمعلم الفرد. إن هذه الوظيفة للامتحانات العامة تبدو واعدة في البلاد التي طبقت فيها.
7. أهداف الامتحانات العامة وبعض مؤشرات النظام التعليمي
تتأثر الامتحانات العامة من حيث وجودها وأهدافها بالنظام التعليمي القائم. ولقد رأينا دراسة هذه العلاقات بين مؤشرات النظام التعليمي والامتحانات العامة في بلدان ستة معتمدين على إحصاءات اليونسكو (اليونسكو، 1995) وعلى دراسة قامت بها اليونسكو عن تأثير نظم الامتحانات على تطوير المناهج (Luca, 1994).
العلاقة الأولى هي أن الحاجة الى الاصطفاء تتناقص عموماً مع ازدياد نسب الالتحاق في المرحلة اللاحقة (أي ازدياد الفرص التعليمية) وبالتالي فإن وظيفة الامتحانات العامة كوسيلة للاصطفاء تتناقص. في الجدول (1) نرى أن البلاد التي حققت نسباً عالية في المستوى الثاني من التعليم ألغت الامتحانات العامة في نهاية المستوى الأول ما عدا زمبابوي والتي لهـا وضـع خـاص كون المستـوى الأول من التعليم يمتد الى 7 سنوات وكذلك التعليم الإلزامي ولكون نسبة الالتحاق في المستوى للثاني من التعليم لا تتعدى 47%.
ويلاحظ، ثانياً، أن ازدياد الطلب على المقاعد المدرسية في مرحلة معينة بصورة تفوق عدد الفرص المتوفرة (العرض) يؤدي الى ازدياد أهمية الاصطفاء وبالتالي الى تنامي الوظيفة الاصطفائية للامتحانات العامة. ويظهر ذلك بوضوح في الانتقال من المستوى الثاني (الثانوي) الى المستوى الثالث (الجامعي) بحيث يلاحظ في الجدول أن البلدان السبعة تفرض امتحاناً عاماً ذا وظيفـة اصطفائيـة للدخول الى المرحلة الجامعية.
والملاحظة الثالثة تخص الانسياب من المرحلة الثانوية الى المرحلة الجامعية. فعندما تزداد الفرص التعليمية (كما تنعكس في نسب الالتحاق) في كل من المرحلتين الثانوية والجامعية فإن ذلك يرتب على الامتحانات العامة في نهاية المرحلة الثانوية وظيفتين من الممكن أن تكونا متضاربتين، أعني وظيفة الشهادة لإنهاء المرحلة ووظيفة الاصطفاء للتعليم الجامعي (Keeves, 1994). وفي وجود مثل هذا التضارب عمدت بعض الدول الى استخدام امتحانات نهاية المرحلة الثانوية لأغراض الشهادة واستخدام امتحانات عامة (مباريات) لأغراض الاصطفاء والدخول الى الجامعات. وهذا ما نلاحظه في الجدول (1). فالولايات المتحدة واليابان وفرنسا حققت نسب التحاق عالية في كل من المرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية. فنسب الالتحاق في المرحلة الثانوية هي 90%، 96%، 86% على التوالي وعدد الطلبة في المستوى الثالث لكل 100.000 من السكان هو 5486، 2340، 3409. ويلاحظ في العمود الثالث من الجدول أن كلا من هذه البلدان تعتمد امتحانات دخول للجامعات منفصلة ولاحقة للامتحان العام في المرحلة الثانوية.
واتجهت بعض الدول الى اعتماد الامتحانات العامة التشخيصية لدعم الإصلاح التربوي من خلال إشراك المعلم في عملية التقويم والتشخيص. والمثال على ذلك هو ما اعتمدته فرنسا في توظيف الامتحانات لأغراض التشخيص. فالاختبارات الوطنية تعد مركزياً كل سنة للصف الثالث ابتدائي وللصف الأول في كل من المرحلتين المتوسطة والثانوية في مادتي الفرنسية والرياضيات ويترك أمر إعطائها، وتصحيحها، وتفسير نتائجها للمعلمين والمدارس بناءً على إرشادات عامة وبمساعدة برامج كمبيوتر توفرها الوزارة.
 جدول 1: أهداف الامتحانات العامة وبعض مؤشرات النظام التعليمي (غير متوفّر)
 
 

رابعاً: الامتحانات العامة والمناهج
عند تطوير المناهج يطرح السؤال عما إذا كان إصلاح المناهج يقود الى إصلاح الامتحانات العامة أم العكس. إن طرح الاشكالية بهذا الشكل لا يبدو أنه يقود الى أي نتيجة إيجابية. إن العلاقة بين المناهج والامتحانات العامة أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. فلا شك أن الامتحانات العامة قد تولّد ضغطاً كبيراً ومباشراً على مناهج الصفوف التي تسبق صف الشهادة ويزداد هذا الضغط في الصفوف التي تسبق مباشرة صفوف الشهادة. ولا يقتصر هذا الضغط على محتوى المناهج بل يتعداه الى الأهداف والممارسات التعليمية وكذلك الامتحانات المدرسية. فيختار من محتوى المنهج ما قد يسأل عنه في الامتحان وتوجه طرق التدريس لتحقيق الحد الأقصى من النجاح في الامتحان العام وتنمط الاختبارات المدرسية على نسق اختبارات الامتحانات العامة. ويشبّه البعض هذه الظاهرة التي تحدثه الامتحانات العامة بحركة الماء الى الخلف عندما ينساب القارب الى الأمام ويعطيه اسم الاثر الراجع backwash. ولا شك أن الاثر الراجع للامتحانـات العامة موثقة في كثير من الدراسات في دول مختلفة.
لكن تجدر الإشارة الى أن قوة ضغط الامتحانات العامـة تتأثر كثيراً بأهداف الامتحان العام. فإذا كان الامتحان العام تشخيصياً فهو لا يشكل مخاطـرة عالية  high stake للطلاب بينما إذا كان الهدف للإختبار العام هو الاصطفاء أو الشهادة فإن المخاطرة تصبح عالية بالنسبة للتلاميذ. ومن هذا المنطلق فإن الامتحانات العامة قد تكون عاملاً داعماً لتطوير المناهج أو عاملاً مقاوماً له. فإذا كانت طبيعة الامتحانات العامة عالية المخاطرة وإذا وجهت هذه الامتحانات لتلائم alignment التطوير المنهجي المطلوب فعندها تكون الامتحانات العامة عاملاً داعماً لتطوير المناهج. أما إذا كانت الامتحانات العامة عالية المخاطرة ولم توجّه في اتجاه التطوير المنهجي فعند ذلك يغلب أثرها أثر تطوير المناهج وتصبح عاملاً مقاوماً لهذا التطوير. وقد استعملت عدد من الدول الامتحانات العامة ذات المخاطرة العالية كوسيلة لدعم تطوير المناهج من خلال توجيه الامتحانات لتخدم أهداف التطوير وبهذا وظّفت أهمية الامتحانات العامة لكونها عالية المخاطرة في تحقيق أهداف تطوير المناهج. وفي دول أخرى لم يحقق تطوير المناهج هدفه بسبب عدم القدرة على التغيير في الامتحانات العامة ذات المخاطرة العالية.

 

خامساً: أنماط الامتحانات العامة
1. المرجعية
إن كثيراً من قضايا الامتحانات العامة ترتبط بنوعية أسئلة الاختبارات وطرق إعدادها. وسنتناول في هذا القسم بعض أهم القضايا المرتبطة بالاختبارات في الامتحانات العامة.
القضية الأولى تتعلق بالمرجعية والتي يقصد بها "المرجع" التي يعتمد في إعداد الاختبارات للامتحانات العامة. والمرجعية قد تكون محددة بما يسمى مواصفات الاختبار test specifications أو متضمنة دون تحديدها في النظم والقوانين. ودرجة تحديد مواصفات الاختبار تختلف من نظام إلى آخر. ففي بعض الأنظمة يقتصر تحديد مواصفات الاختبار على نواح شكلية كتحديد عدد الأسئلة  في الاختبار وتحديد الأوزان المعطاة لكل اختبار والمدة المخصصة لكل اختبار. ومن ناحية أخرى فإن هناك أنظمة تعتمد تحديداً مفصلاً ودقيقاً لمواصفات الاختبار يتخذ في كثير من الأحيان واحداً من شكلين. الشكل الأول هو تصنيف الأهداف التي يستهدفها الاختبار في مصفوفة ذات بعدين: البعد الأول هو بعد المحتوى والبعد الثاني يتعلق بالمستوى المعرفي congnitive level . والشكل الثاني هو تفصيل الأهداف بشكل إجرائي ووضعها في قائمة. أما الأنظمة التي لا تحدد مواصفات للاختبار فهي تفترض بشكل عام أن محتوى المنهج وأهدافه العامة هي بحد ذاتها مواصفات للاختبار.
ما هي إذا القضايا التي ترتبط بوجود أو عدم وجود مواصفات للاختبارات أو بنوعية هذه المواصفات؟ أولاً، إن عدم وجود مواصفات محددة للاختبارات يثير مشكلتين على الأقل. المشكلة الأولى هي التفاوت في نوعية الاختبارات وصعوبتها عبر السنين لكون هذه الاختبارات تعتمد على قناعات واضعي الاختبارات وخبراتهم. ولذلك يصعب في مثل هذه الحالات تفسير نتائج الطلاب ومقارنتـها عبر السنين. والمشكلة الثانية أنه في غياب المرجعية المحددة يصبح "السلف" هو المرجعية. والسلف هنا هو اختبارات الدورات السابقة وعليه يصبح واضعو هذه الاختبارات هم المرجع وخصوصاً إذا استمروا في القيام في هذا العمل لمدة طويلة. وتنسج حول هذا الوضع شبكة من علاقات المصالح تشمل إعداد الكتب وفرص العمل والتدريس الإضافي. وفي أكثر الأحيان يصبح نظام الامتحانات أسير هذا الوضع الذي يصعب التفلّت منه.

ومن جهة أخرى فإن وجود مواصفات للاختبارات ونوعيتها يثير مشاكل من نوع آخر. المشكلة الأولى هي في ما إذا كان بإمكان اختبار تحريري يعطى في زمن محدود لا يتعدى الساعات أن يقيس الأهداف المتنوعة لمناهج تدرس على مدى سنوات. فهل بالإمكان مثلاً أن يشمل الاختبار التحريري كل الأهداف المعرفية للمنهج؟ وهل يمكن للاختبار التحريري أن يقيس المهارات الادائية؟ والأهم من ذلك هل يمكن للاختبار في امتحانات عام أن يقيس الأهداف الوجدانية من اتجاهات وقيم وعادات؟ إن هذه المشكلة تنعكس سلباً على تطوير المناهج. ففي كثير من البلدان كان الاتجاه لتطوير المناهج بالتركيز على العمليات المعرفية العليا للحد من الحفظ والآلية ومن جهة أخرى التركيز على الأهداف الوجدانية والادائية. وفي كثير من البلدان لم تستطع لا الاختبارات ولا المواصفات نفسها استيعاب هذه التغيرات المنهجية بشكل عملي وفاعل مما جعل الامتحانات العامة عائقاً في التطوير. وقد عمدت بعض الدول الى حلّ هذه الإشكالية بإعطاء وزن للتقييم المدرسي. ففي اسكتلندا مثلاً يعطى وزن للتقييم المدرسي بحيث لا يكون هناك تداخل بين التقييم المدرسي والامتحانات العامة. فالتقييم المدرسي يقتصر على النواحي التي لا يمكن أن تقيسها الاختبارات التحريرية مثل القدرة على القيام بمشروع بحث أو العادات والاتجاهات أو غيرها من جوانب شخصية الطالب.
 2. أنماط الأسئلة
لقد أدّت عوامل متعددة لإثارة قضايا خاصة بأنماط الأسئلة. فالتوسع في التعليم في العقود الأخيرة فرض وجود أعداد كبيرة من الطلاب الذين يصلون الى المراحل التي تعطى في نهايتها امتحانات عامة. مما يعني أنه أصبح المطلوب من نظام الامتحانات العامة أن يخدم أعداداً كبيرةً ومتزايدةً من الطلاب. وهذا بدوره شكل ضغطاً على نظام الامتحانات من حيث الحاجة الى موارد بشريـة ومادية لإنجاز عمليات الاختبار في وقت معقول. وقد غيرت بعض الدول نمط الأسئلة من النموذج الإنتاجي production model الى النموذج الاختياري selection model لأن الاختبارات حسب النموذج الأخير يمكن مكننتها وبالتالي زيادة فعالية نظام الامتحانات وإنتاجيته. وقد ظهرت أراء مختلفة في هذا المجال كردة فعل على اعتماد النموذج الاختياري. فهناك من يعتقد أن أنماط الأسئلة التي لا تتطلب إنتاجاً من الطالب على شكل الكتابة تؤدي في النهاية الى إضعاف المهارات الكتابية. كذلك هناك شك في قدرة الأسئلة المبنية على الاختيار من بدائل معطاة على قياس المستويات المعرفية العليا. ولكن ميزة أسئلة النموذج الاختياري تبقى في فعاليتها في التعامل مع أعداد كبيرة من الطلاب. ومن جهة أخرى فلقد كان للنمو السريع والمستمر في تكنولوجيا الكمبيوتر أثر كبير في الاتجاه نحو النموذج الاختياري. إذ أن هذا النموذج يتيح للكمبيوتر إعداد وإنتاج وتصحيح الاختبارات وتنظيم عملياتها. وكان من نتيجة ذلك الاتجاه نحو بنوك الأسئلة في بعض الأنظمة. وتتسارع تطبيقات الكمبيوتر في حقل الاختبارات بحيث أنه أصبح من الممكن للطالب أن يستعمل الكمبيوتر للإجابة عن الاختبار والحصول على تقرير مفصل عن نتائجه فور الانتهاء من الاختبار.
ومن البلدان السبعة التي ذكرناها سابقاً فإن كولومبيا واليابان والولايات المتحدة تستعمل النموذج الاختياري بينما تستعمل مصر وفرنسا واسكتلندا وزمبابوي النموذج الإنتاجي.
3. أسس النجاح في الامتحانات العامة
بشكل عام هناك نوعان من الأسس التي تعتمد في تقرير النجاح في الامتحانات العامة. الأساس الأول هو الذي يستعمل المحكات criteria وهذه المحكات هي مستويات محددة مسبقاً ولا ترتبط بأداء الطلاب كمجموعة في الاختبار (مثلاً، كأن يقال أن علامة النجاح هي 50% من العلامة الكلية). والأساس الثاني هو المعايير norms وهي التي تحدد العلامات بدلالة أداء المجموعة (مثلاً، علامة النجاح هي المتوسط الحسابي لعلامات المجموعة). وعموماً فإن أساس النجاح يرتبط بأنماط الأسئلة. فالدول التي تعتمد النموذج الاختياري تعتمد، في أغلب الأحيان المعايير كأسس للنجاح كما هي الحال في كولومبيا واليابان والولايات المتحدة. أما مصر وفرنسا واسكتلندا وزمبابوي فهي تعتمد النموذج الإنتاجي في وضع الأسئلة والمحاكاة كأسس نجاح.
كذلك تتمايز الدول في اعتماد النجاح في المادة الواحدة أو في مجموع المواد وكذلك في توزيع الامتحانات على السنة النهائية في مرحلة أو على عدد من السنوات. فاسكتلندا وزمبابوي ومصر وفرنسا توزع الاختبارات على أكثر من سنة في المرحلة الثانوية واسكتلندا وزمبابوي والولايات المتحدة وكولومبيا تعتمد النجاح في المادة وليس المجموع في المواد. وتعتمد فرنسا ومصر مجموع المواد وإن كانت الأخيرة في صدد اعتماد النجاح في المادة. 

 

سادساً: الإطار التنظيمي للامتحانات العامة
المقصود بالإطار التنظيمي للامتحانات العامة هي البنية التنظيمية والإدارية لوضع وتعديل السياسات والأنظمة والإجراءات الخاصة بالامتحانات العامة وكذلك الأجهزة التي تقوم بتنفيذ عمليات الامتحانات العامة من وضع أوراق الأسئلة والإشراف والتصحيح وإدارة عمليات المراقبة والنتائج. ولا شك أن الإطار التنظيمي للامتحانات العامة يتأثر بالنظام السياسي والإداري المعتمد وكذلك بالأهداف المتوخاة من الامتحانات العامة ضمن النظام التربوي. وسنتناول التمايز بين الأنظمة المختلفة من خلال أبعاد ثلاثة: الخاص والعام، العلاقة مع أجهزة المناهج، وأخيراً درجة المركزية. ولهذا الغرض سنجري مقارنات بين الدول السبع في مجال الإطار التنظيمي للامتحانات العامة.
تنفرد الولايات المتحدة في كون الامتحانات العامة تنظم وتجري من قبل مؤسسات خاصة (مثل Educational Testing Service (ETS). ففي الولايات المتحدة ليس هناك منهج وطني ولكن المناطق التربوية تعتمد من خلال المجالس المدرسية school board وعددها بالآلاف الكتب التي تريد وقد يكون لديها نوع من نظام امتحانات يقتصر هذا الاعتماد على المنطقة التربوية المعنية. أما في الدول الأخرى فأجهزة الامتحانات ترتبط بالدولة بشكل أو بآخر وبدرجات متفاوتة.
ففي كولومبيا تضطلع بإدارة الامتحانات مؤسسة الامتحانــات الوطنيــة (National Examination Service) والتي هي جزء من المعهد الكولومبي لتنمية التعليـم العالي والأخير تموله الدولة ويتبع إدارياً وزارة التربيـة (Luca, 1994).
وقد أُنشئت مؤسسة الامتحانات الوطنية بالتعاون مع مؤسسة (ETS) في الولايات المتحدة. ويكلف عدد من المعلمين بإعداد أسئلة تختبر مسبقاً كما هي الحال في اختبارات الـETS. وفي مصر، أنشئ أخيراً (سنة 1990) المركز الوطني للامتحانات والتقييم التربوي (NCEEE) وهذا المركز يتمتع باستقلالية وبسلطة كبيرتين. فهو يتمتع بصفة استشارية بما يخص سياسات الامتحانات العامة ويشرف على الامتحانات العامة. وهو مستقل إدارياً ومالياً عن وزارة التربية ويرأسه مدير يعين بمرسوم من رئيس الجمهورية. وفي فرنسا تشرف على امتحانات البكالوريا إدارات مناطقية ممولة من الدولة. أما في اليابان فلا يوجد امتحانات عامة إلا في نهاية المرحلة الثانوية (بديء بها في سنة 1990) وتنظم هذه الأخيرة وزارة التربية. والتركيز في اليابان هو على امتحانـات الدخـول الى المـدارس في المراحل كافةً وهـذه الامتحانـات تجـرى من قبـل المدارس. وفي اسكتلندا يعتبر المكتب الاسكتلنـدي لدائرة التربيـة (Scottish Office Education Department (SOED) هو السلطة المعنية بالامتحانات وكذلك بالمناهج، بالتعاون مع مجالس أخرى. أما في زمبـابوي فوزارة التربية والثقافة هي التي تضـع السياسـات والإجـراءات الخاصة بالامتحانات. وما زالت الامتحانـات في نهايـة المرحلـة الثانوية في انكلترا تجري من قبل مؤسسة كامبردج للامتحانـات.
وتتمايز الدول في العلاقة الإدارية والتنظيمية بين المناهج والامتحانات. ففي الولايات المتحدة لا وجود لأية علاقة إدارية وتنظيمية بين المناهج والامتحانات لعدم وجود مناهج وطنية. وفي كولومبيا تتولى وزارة التربيـة قضايـا المناهج وهـي أيضاً تشرف على مؤسسة الامتحانات الوطنية. وفي مصر فالمركـز الوطني للامتحانات والتقييم التربوي مستقل إدارياً ومالياً عن وزارة التربية التي تتولى قضايا المناهج. وفي فرنسا فإن الامتحانات والمناهج تتبع إدارياً وتنظيمياً لوزارة التربية. كذلك في اسكتلندا فإن المجلس الاستشاري للمناهج يتعاون مع المجلس الاسكتلندي للامتحانات ضمن مكتب التربية (SOED). أما فـي اليابان فلس هناك علاقات تنظيمية وإدارية بين المناهج والامتحانات، إذ أن المناهج هي من صلاحيات وزارة التربية بينما الامتحانات (امتحانات الدخول) تجريها المدارس ما عدا امتحان الدخول الى الجامعة (وهو ليس إجبارياً) الذي تجريه وزارة التربية. أما في زمبابوي فكل من المناهج والامتحانات يتبع إدارياً وتنظيمياً لوزارة التربية.
وتتمايز الدول أيضاً في درجة المركزية التي تعتمدها في الامتحانات العامة. في الولايات المتحدة تتصف الامتحانات العامة باللامركزية الواسعة الى أقصى الحدود. أما في كولومبيا فإن الامتحانات مركزية وإن كانت هناك محاولات جادة للاتجاه نحو اللامركزية ليتماشى ذلك مع إصلاحات المناهج التي تهدف بشكل أساسي الى إعطاء المدارس القدرة على قولبة المناهج حسب الحاجات المحلية. وفي مصر فإن سياسات الامتحانات العامة ومنها مواصفات الاختبار تبقى مركزية تحت سلطة المركز الوطني للامتحانات والتقييم التربوي. أما التنفيذ فمنه ما يتم على مستوى المدرسة أو على مستوى المنطقة في مرحلة التعليم الأساسي. أما الثانوية العامة فتنظم وتنفذ مركزياً من قبل وزارة التربية. أما فرنسا فتعتمد مركزية السياسة ولا مركزية التنفيذ. ففي البريفيه يترك للمدارس حرية التقييم بناءً على توجيهات مركزية. وفي البكالوريا تنفذ الامتحانات على مستوى المناطق بواسطة الأكاديميات وعددها 23. وفي اسكتلندا فالامتحانات مركزية سياسـة وتنفيذاً. أما اليابان فالامتحانات تجري في المدارس وليس هناك نظام وطني للامتحانات إلا في امتحان الدخول الى الجامعة وهذا الأخير مركزي تجريه وزارة التربية. وفي زمبابوي فإن الامتحانات مركزية تماماً.

 

سابعاً: خلفية تاريخية لتطور الامتحانات الرسمية في لبنان
بدأت الامتحانات الرسمية في لبنان بإنشاء البكالوريا اللبنانية سنة 1929 (المرسوم رقم 4430). وبما أن لبنان كان تحت الانتداب الفرنسي فلقد كانت البكالوريا اللبنانية من حيث بنيتها ومحتواها مشابهة للبكالوريا الفرنسية ومقسمة مثلها الى قسمين: البكالوريا – قسم أول والبكالوريا – قسم ثان. وبقيت التغييرات في أنظمة الامتحانات في حدود التغييرات الشكلية ما عدا القرار الذي جعل حيازة شهادة البكالوريا شرطاً للدخول الى التعليم العالي (قانون التعليم العالي، 1961).
وفي أواخر الستينات، حدثت بعض التغييرات في امتحانات شهادة البكالوريا اللبنانية لكي تتماشى مع التغييرات في المناهج وقد حدّد المرسوم رقم 9101 (تاريخ 8/1/1968) بعض مواصفات اختبارات البكالوريا كالمواد، ومدة المسابقة، عدد الأسئلة، المعدل (الوزن) لكل مسابقة. وحدث أمر مشابه بالنسبة الى امتحانات البريفيه (المرسوم رقم 14529، 1970). كذلك أُلغيت في هذه الفترة الشهادة الإبتدائية.
في خلال الحرب اللبنانية بين سنتي 1975 و 1990 أُدخلت بعض التعديلات الاستثنائية على أنظمة الامتحانات. أما التغيير الرئيسي فحدث سنة 1992 حيث أُلغيت امتحانات القسم الأول من البكالوريا اللبنانية واستعيض عنها بامتحان تمهيدي في نهاية السنة الثانوية الثانية يشمل فقط اللغة العربية وآدابها واللغة الأجنبية وآدابها (المرسوم رقم 2385 تاريخ 23/4/1992). ومن المرتقب أن تحدث تغييرات جذرية في نظام الامتحانات تماشياً مع المناهج الجديدة التي صدرت سنة 1997.

 

ثامنا: قضايا الامتحانات الرسمية في لبنان
1. قضايا الأهداف
إن الامتحانات الرسمية في لبنان تخدم وظيفتين أساسيتين: الشهادة والاصطفاء والنمط الذي تطورت فيه الامتحانات الرسمية في لبنان ينسجم مع ما أوردناه سابقاً حول العلاقات بين الامتحانات العامة ومؤشرات النظام التعليمي. فبعد أن كانت امتحانات نهاية المرحلة الابتدائية (السرتفيكا) تخدم وظيفة الشهادة لإتقان المهارات الأساسية في اللغتين العربية والأجنبية والرياضيات أُلغيت هذه الامتحانات في أوائل السبعينات نتيجة التوسع في التعليم الابتدائي وعدم ضرورة وجود حاجز بين التعليم الابتدائي والتعليم المتوسط. وكذلك الأمر بالنسبة الى شهادة البريفيه. فبعد التوسع المطرد في نسب التسجيل في مرحلة التعليم المتوسط يتوقع أن تتناقص وظيفة امتحان البريفيه في مجال الاصطفاء للمرحلة الثانوية وتزداد وظيفة هذه الامتحانات لأغراض الشهادة. وبدراسة الشكليـن 1 و2 نرى أنّ أعداد المتقدمين الى امتحانات شهادة البريفيه يزداد باطراد بين سنتـي 1992 و1996 (أُلغيت امتحانات البريفيه في أكثر سنين الحرب) وكذلك يلاحظ ازدياد نسبة الناجحين في هذه الامتحانات (من 45% الى 65% تقريباً بين سنين 1992 و 1996) مما يعكس تناقص الوظيفة الاصطفائية لامتحانات البريفيه.
كذلك الحال بالنسبة لوظيفة الامتحانات العامة في حال ازدياد نسب الالتحاق في المرحلة الثانوية والجامعية. فقد رأينا سابقاً أنه في هذه الحالة يحدث نوع من التضارب بين وظيفتي الامتحانات العامة في الاصطفاء والشهادة. وفي هذه الحالة توظف امتحانات نهاية المرحلة الثانوية لأهداف الشهادة وتستعمل امتحانات منفصلة ولاحقة للاصطفاء والدخول الى الجامعات. ذلك نسبة الالتحاق الإجمالية في المرحلة الثانوية هي 74% في لبنان وهي من النسب العالية وكذلك عدد الطلاب الجامعيين لكل 100.000 من السكان 3257 (اليونسكو، 1995) وهي نسبة عالية جداً أيضاً. وهذا يفسر التزايد في استعمال امتحانات دخول الى الجامعات بالإضافة الى امتحانات البكالوريا التي تخدم وظيفة الشهادة وكذلك الشرط الضروري (وليس الكافي) للدخول للتعليم العالي.
2. قضايا علاقة الامتحانات الرسمية بالمناهج
هناك قضيتان ترتبطان بعلاقة المناهج بالامتحانات الرسمية في لبنان: القضية الأولى هي عدم تحديد المرجعية لاختبارات الامتحانات الرسمية والقضية الثانية هي ظاهرة الأثر الراجع التي تحدثه الامتحانات الرسمية على التعليم.
بما يخص القضية الأولى، تتألف المرجعية لوضع الاختبارات للشهادات الرسمية من عنصرين: العنصر الأول هو المنهج والعنصر والثاني هو مواصفات الاختبارات كما تحددها المراسيم الخاصة بذلك. فالمناهج الحالية في لبنان لا تحدد أي نوع من الأهداف التعليمية وهي عبارة عن توزيع لمفردات المحتوى على السنين المختلفة. ولذلك فإن المستويات المعرفية لعناصر المحتوى غير محددة وهي متروكة لخبرة واجتهاد واضعي الأسئلة مما يسبب في كثير من الأحيان عدم توازن في المستويات المعرفية في المسابقة الواحدة وكذلك في المسابقات المتعددة للمادة الواحدة عبر السنوات. أما المراسيم فلا تحدد سوى عدد قليل من المواصفات، وهذه تتمثل في تحديد السنوات المنهجية التي يشملها الامتحان المعين، عدد الأسئلة لكل مادة، مدة كل اختبار، وزن كل اختبار من العلامة الكلية للشهادة. إن هذا النقص في تحديد مواصفات الاختبار يجعل المرجعية بالنسبة للمدارس وكذلك للطلاب متوفرة في "السلف" (مسابقات السنين السابقة). وهذا الأمر معاكس تماماً لما يجب أن تكون عليه عملية إعداد الاختبارات أي أن تكون مواصفات الاختبار هي التي تسبق وضع الاختبار وتجدد بنيته لا أن تُستقرأ مواصفات الاختبار من المسابقات التي أُعطيت في السنين السابقة. ومن مساوئ هذا الوضع أنها تدخل واضعي الاختبارات، وخصوصاً إذا استمر الأشخاص أنفسهم في إعداد الأسئلة، في شبكة من المصالح المهنية والمادية تؤثر سلباً على عملية الامتحانات بأكملها.
والقضية الثانية هي ظاهرة الأثر الراجع backwash التي تحدثه الامتحانات الرسمية في التعليم في الصفوف السابقة لصفوف شهادتي البريفيه والبكالوريا. وهذه الظاهرة تزداد في الصفوف التي تسبق مباشرة صفوف الشهادات وتقل تدريجياً في الصفوف التي تبعد عنها وهي تشمل التعليم في كل نواحيه. فالأهـداف تتحول لتخدم الهـدف الأساسي وهو النجاح في الامتحانات، والمحتـوى التعليـمي للمواد تلغى منه أقسام أو تضاف اليه أقسام لتتناسـب مع
الشكل (1): عدد المتقدمين حسب الشهادة والسنة (غير متوفّر)
الشكل (2): نسبة الناجحين حسب الشهادة والسنة (غير متوفّر)
المحتوى الذي يرد بصورة متكررة في أسئلة الامتحانات الرسمية. وطرق التدريس تعدل لتخدم هدف النجاح في الامتحان. وأخيراً فالامتحانات المدرسية تنمط في بنيتها ومحتواها حسب الاختبارات الرسمية. وهذه الظواهر موثقة في دراسات حول هذا الموضوع (أسطا، 1997، زين الدين، 1998).
إن المناهج الجديدة التي اعتمدت أخيراً تشكل فرصة جيدة لتلافي النقص الحاصل في تحديد مواصفات الاختبارات في الامتحانات الرسمية. فالمناهج الجديدة تحدد الأهداف التعليمية بشكل أدق وأشمل من المناهج القائمة. ونرجو أن يستكمل هذا الجهد بوضع مواصفات للاختبارات من حيث محتواها ومستوياتها المعرفية لتحقيق التوازن المطلوب، علماً أنه من المشكوك فيه أن تشمل اختبارات الامتحانات الرسمية كل أنواع الأهداف الموجودة في المناهج (معرفية وجدانية وادائية) مما يعيد طرح السؤال الدائم عن كيفية حلّ هذه الإشكالية.
3.قضايا أنماط الامتحانات الرسمية
إن القضايا التي تثيرها أنماط الاختبارات في الامتحانات الرسمية اللبنانية مشابهة للقضايا نفسها في البلاد الأخرى. والقضـايا الرئيسية هي: أولاً، التوفيق بين اعتماد النموذج الإنتاجي للأسئلة وبين توفير الموارد البشرية والمادية لإنجاز الامتحانات في الوقت المطلوب. ثانياً، التوفيق بين اعتماد النموذج الإنتاجي من جهة والتوظيف الفعال للكمبيوتر في معالجة عمليات الامتحان. ثالثـاً، التوفيق بين استعمال المحكات criteria كأسس للنجاح في الشهادة وعدم اعتمادها للنجاح في الموضوع. رابعاً، عقلنة استعمال المحكات بحيث تبنى على أسس يمكن تفسيرها علمياً.
إن النموذج الإنتاجي معتمد في الشهادات الرسمية في لبنان باستثناء بعض التوجه المحدود لاستعمال النموذج الاختياري في امتحانات البريفيه. والأسئلة الإنتاجية تتطلب وقتاً وجهداً وعدداً كبيراً من المصححين مما يعني توجيه جهود المعلمين والمدارس والوزارة نحو الامتحان لمدة تتجاوز الشهرين في صيف كل سنة. وهذا يرتب كلفة مادية عالية وكذلك إجهاداً للعاملين في حقل التعليم في عطلتهم السنوية. كذلك يؤدي هذا الوضع الى التأخر في إصدار النتائج مما يؤثر على الطلاب الذين سينتسبون الى الجامعات. ومن جهة أخرى فإن عمليات الامتحانات تؤثر سلباً على عمل وزارة التربية إذ أن جهدها خلال موسم الامتحانات ينصب بشكل كامل تقريباً على الامتحانات الرسمية.
ومن ناحية ثانية فإن دور الكمبيوتر في الاختبارات التي تتبع النموذج الانتاجي محدود وربما يقتصر دوره على تسجيل الطلاب للامتحانات، وتسجيل مجامع العلامات وإجراء العمليات الحسابية عليها، وإصدار وثائق الشهادات نفسها. ومن الممكن استغلاله حتى في النموذج الانتاجي في تجميع وطبع أوراق الامتحان.
إن الأساس المعتمد للنجاح في كل من شهادتي البكالوريـا والبريفيـه هو 50% من مجموع العلامات في كل شهادة ولا يتطلب النجاح في الامتحان الرسمي النجاح في امتحان كل مادة. من الواضح أن المحكات هي الأساس للنجاح في الامتحانات الرسمية. ويبدو أن هناك إشكالاً في اعتماد المحك لمجموع العلامات فقط. فكيف نفسر "نجاح" الطالب في الشهادة؟ هل يعني ذلك أنه حقق الحد الأدنى من المعرفة (للمفاهيم) والأداء (للمهارات) في كل موضوع؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف يعوض معرفته الجيدة في الرياضيات عن معرفته الناقصة في اللغة مثلاً؟
وأخيراً، على أي أساس أختير المحك 50% مـن المجمـوع؟ ولمـاذا لا يكون 60% مثلاً؟ ما هو الأساس النظري لمثل هذه الخيارات؟ ومـا هـي تفسيراتها العملية في ضوء كون الامتحانات الرسمية تؤدي الى شهادات؟ فبماذا يشهد الحصول على 50% مثلاً في مجموع الامتحانات؟ إن هذه القضايا تحتـاج الى دراسة بغية عقلنة أسس النجاح لتوظيفها بشكل فعال وذي معنى في القرارات التربوية والتوجيهية والتي تؤثر في حياة كل طالب.
4.قضايا الإطار التنظيمي للامتحانات الرسمية
يوجد جملة من القضايا المرتبطة بالإطار التنظيمي للامتحانات الرسمية في لبنان. أولاً، عدم وجود جهة معنية بوضع ومتابعة سياسة الامتحانات الرسمية. ثانياً، عدم وجود جهاز فني في وزارة التربية لإعداد الاختبارات والإشراف عليها بصورة مستمرة. ثالثاً، تشتت مهام إدارة الامتحانات على عدد كبير من الأفراد من داخل الوزارة وخارجها. 
إن سياسة الامتحانات الرسمية في لبنان يقررها مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير التربية. وعموماً لا تحدث تغييرات في سياسة الامتحانات الرسمية إلا عند حدوث تغييرات جذرية في المناهج. فمنذ الاستقلال حدث تغيير جذري واحد في المناهج، مما يعني أن سياسة الامتحانات تغيرت مرة واحدة حتى الآن منذ الاستقلال. إن الامتحانات الرسمية همّ وطني يعني المواطنين بجميع فئاتهم، ويعني المؤسسات التعليمية، ويعني أخيراً الدولة. ومن جهة أخرى ليس من الضروري أن يكون التغيير في سياسة الامتحانات استتباعاً للتغيير  في المناهج فقط. فهناك تغييرات عالمية في مفهوم التقييم وممارساته، وهناك أيضاً تغييرات اجتماعية في لبنان، وأخيراً تغييرات تربوية (غير المناهج) تستدعي إعادة النظر بسياسة الامتحانات الرسمية بصورة دورية. وهذا يستدعي بدوره هيئة تثمل أصحاب المصالح stakeholders تراقب التغييرات لتقترح التعديلات المناسبة. وهذا الأمر غير موجود في لبنان، مما جعل سياسة الامتحانات ثابتة وجامدة على مدى زمني طويل وبالتالي غير مستجيبة بشكل كاف للتغييرات الاجتماعية والتربوية. وهذه الهيئة ينبغي أن تتعاطى مع قضايا من نوع أسس النجاح في الامتحانات (المحكات أم المعايير)، توزيع الامتحانات الرسمية على عدد من السنوات، النجاح في الموضوع أو في المجموع، أنماط الأسئلة، الخ.
والقضية الثانية هي عدم وجود جهاز فني في وزارة التربية يرعى الشؤون الفنية في الامتحانات الرسمية. فالامتحانات الرسمية، من الناحية الفنية على الأقل، هي موسم يمتد على عدة شهور في السنة ليختفي ويعود الى الظهور في الموسم القادم. إن إعداد مواصفات الاختبارات والأسئلة وأوراق الامتحان عمل ينبغي أن يقوم به أناس متخصصون وخبيرون أولاً، وأن يركز جهدهم الدائم والكامل لمتابعة النواحي الفنية قبل وخلال وبعد الامتحانات، وبالتالي أن يتمتعوا بالكفاية والسلطة للقيام بمثل هذا العمل الحساس. إن المطلوب هو تحويل الامتحانات الرسمية من موسم الى مؤسسة.
والقضية الثالثة هي قضية التشتت في إدارة الامتحانات الرسمية. إن إدارة الامتحانات الرسمية يحددها مرسوم نظام الامتحانات وتعديلاته (المرسوم 6654 تاريخ 10/2/1967). في هذا المرسوم نرى أن مهام الامتحانات موزعة على عدد كبير من الأشخاص بينهم عدد قليل من داخل الوزارة بحكم مراكزهم (مدير عام وزارة التربية هو رئيس اللجنة الفاحصة لكل الامتحانات) والآخرون من خارجها (معلمون وأساتذة جامعيون ...). أما دائرة الامتحانات في الوزارة فتتولى أمور تسجيل الطلاب للامتحانات وتنظيم عمليات المراقبة والتصحيح والتدقيق وإعداد النتائج وإعلانها وإصدارها للأشخاص المعنيين. إن دائرة الامتحانات توفر الدعم اللوجستي الكافي لعمليات الامتحانات ولكن إدارة هذه الامتحانات والإشراف عليها هي خارج صلاحية دائرة الامتحانات. من المهم في هذا المجال توحيد مهام إدارة الامتحانات في دائرة واحدة تعطى الصلاحيات والإمكانيات لتخطيط وتنفيذ وتقويم عمليات الامتحانات الرسمية. ولا بدّ عند ذكر إدارة الامتحانات الرسمية، من التأكيد على مكننة ما يمكن مكننته (وهو أكثر مما هو قائم حالياً) من عمليات الامتحانات لزيادة الفعالية والانتاجية.

 

تاسعاً: خاتمة
إن الامتحانات العامة كشأن يهم المجتمع بكل فئاته، وكإحدى أدوات الضبط والتطوير وللتعليم في يد الدولة عرضة للتحول ولإعادة النظر المستمرة في أهدافها، وأنماطها، وإدارتها. وفي هذا الواقع يبدو من العبق إعطاء مقترحات محددة قد لا تنطبق إلا لمدة معينة. ولذا فمن الأجدى إيجاد المؤسسات التي تراقب هذه التحولات وتدرسها في ضوء الحاجات القائمة والتي قد تستجد. وهذا ما نعتقد أن لبنان يفتقد إليه وخصوصاً في وقت تقوم ورشة كبيرة لإعادة النظر في المناهج في كل المواد. في هذا المجال يفتقر لبنان الى مرجعيات ثلاثة: سياسية، علمية - فنية، وإدارية.
المرجعية السياسية هي لوضع سياسة امتحان عامة في لبنان لتتماشى مع تطلعات المناهج الجديدة. وهذه المرجعية ينبغي أن تمثل أصحاب المصلحة الحقيقيين في الامتحانات العامة وأن يكون في راس أولياتها إعادة النظر في أهداف الامتحانات العامة وبنيتها وتوزيعها على السنين وأسس النجاح فيها. وينبغي في هذا المجال توسيع وظيفة الامتحانات العامة لتشمل الامتحانات التشخيصية كما هي الحال في فرنسا ومصر.
أما المرجعية العملية-الفنية فمجال اهتمامها هو ترجمة المناهج الى مواصفات للاختبارات وإعداد الأسئلة وأوراق الامتحانات. وأهم أولياتها النظر في كيفية توجيه امتحان البكالوريا ليتماشى مع المناهج المطورة وبذلك تكون الامتحانات عامل دعم للتطوير لا قوة مقاومة له.
وأخيراً تقع على عاتق المرجعية الإدارية مهمة توحيد إدارة علميات الامتحانات وزيادة فعاليتها وإنتاجيتها من خلال دمج الوظائف الإدارية في مؤسسة واحدة تعطي الصلاحيات والإمكانيات لإدارة الامتحانات العامة بالشكل المطلوب\.

 

 البيبليوغرافيا:

Keeves, J.P. (1994). National Examinations: Design, Procedures and Reporting. Paris: UNESCO.


Lu Zhen (1988). “A Brief Introduction to the System of Higher School Enrollment Examinations in China”. In Heynemon, S.P. & Fagerlind, (eds), University Examinations and Standardized Testing. Principles, Experience and Policy Options. Washington D. C.: The World Bank.


Madaus, G. F. & Kelaghan, T. (1992). “Curriculum Evaluation and Assessment”. In Jackson, P.W. (Ed.), Handbook of Research on Curriculum. New York: Macmillan.


Luca, D.C. (1994). The Impact of Examination Systems on Curriculum Development: An International Study. Paris: UNESCO.

<p style&l



تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة